القرطبي
250
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
وقيل : قتله الموت الأسود « 1 » يقال له أيضا الدم الأسود ، من طغاة مصر . فقطع يده ، فقال عثمان : أما واللّه إنها لأول كفّ خطّت في المصحف . وهذه البلوى التي ثبتت في الصحيح ، عن أبي موسى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم دخل حائطا وأمرني بحفظ باب الحائط ، فجاء رجل يستأذن فقال : « ائذن له وبشّره بالجنة » فإذا أبو بكر ، ثم جاء يستأذن ، فقال : « ائذن له وبشره بالجنة » فإذا عمر ، ثم جاء آخر يستأذن ، فسكت هنيهة ثم قال : « ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه » فإذا عثمان بن عفان « 2 » . لفظ البخاري ، ذكره في مناقب عثمان . وقد قيل : إن الصحيح في مقتله رضي اللّه عنه أنه لم يتعين له قاتل معين ، بل أخلاط الناس وهم رعاع جاءوا من مصر ومن غير قطر . وجاء الناس إلى عثمان فيهم عبد اللّه بن عمر متقلدا سيفه وزيد بن ثابت ، فقال له زيد بن ثابت : إن الأنصار بالباب يقولون إن شئت كنا أنصار اللّه مرتين . قال : لا حاجة لي في ذلك ، كفّوا « 3 » . وكان معه في الدار الحسن والحسين وابن عمر وعبد اللّه بن الزبير وأبو هريرة وعبد اللّه بن عامر بن ربيعة ومروان بن الحكم كلهم يحملون السلاح ، فعزم عليهم في وضع أسلحتهم وخروجهم ولزوم بيوتهم ، فقال له الزبير ومروان : نحن نعزم على أنفسنا أن لا نبرح ، فضاق عثمان رضي اللّه عنه من الحصار ومنع من الماء حتى أفطر على ماء البحر المالح . قال الزبير بن بكار : حاصروه شهرين وعشرين يوما وقال الواقدي : حاصروه تسعة وأربعين يوما ، ففتح الباب فخرج الناس وسلّموا له راية في إسلام نفسه . قال سليط بن أبي سليط : فنهانا الإمام عثمان عن قتالهم ، ولو أذن لنا لضربناهم حتى نخرجهم من أقطارنا ، ودخلوا عليه في أصح الأقوال ، وقتله من شاء اللّه من سفلة الرجال . وروى أبو عمر بن عبد البر عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ادعوا لي بعض أصحابي » . فقلت : أبو بكر ؟ قال : لا . فقلت : عمر ؟ فقال : لا . فقلت ابن عمك ؟ قال : لا . فقلت له : عثمان ؟ قال : نعم . فلما جاءه ، قال لي بيده ، فتنحّيت ، فجعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يسارّه ولون عثمان يتغير ، فلما كان يوم الدار وحصر عثمان ، قيل له : ألا نقاتل عنك ؟ قال : لا ؛ إن رسول اللّه
--> ( 1 ) انظر « المصادر السابقة » . ولعل قاتله رجل واحد ولكن له ألقاب متعدّدة . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 3695 ) ومسلم ( 2403 ) . ( 3 ) أخرجه ابن أبي شيبة في « مصنفه » ( 8 / 682 ) - دار الفكر - وخليفة في « تاريخه » ( 1 / 187 ) . بإسناد صحيح .